مالذي يفعله الموت بنا ؟ حين يتعلق قلب أحدنا بأحبابه وأصفيائه في هذه الحياة ينغمس حبهم في القلوب وتتجذر مودتهم في الأوردة ، يورق هؤلاء الأحباب ويزهرون أمام نواظرنا صباحا ومساء ، وفي ساعة الأجلِ المحتوم في زمانٍ ومكانٍ لايعلمه إلا الواحد الأحد،  يغادر هؤلاء الأحباب حتى لكأننا لم نرهمْ  قطّ، وكأننا لم نحظنهم أبدا ، وكأننا لم نشعر بدفء دمائهم يلامس أرواحنا ، لك الحمد يارب ولك ما أخذْتَ ولك ما أعطيت وكل شيء عندك بقضاء .

لا تنفعُ  (ليت) ولا تفيد (لو) ولا جدوى من كل أساليب الاستثناء ، شيء واحد يصعق قلوبَ كل الذين يفقدون أحبابهم ؛ وهو أن القلوب إذا تعلّقتْ ثم فقَدَتْ انفطرتْ ، والأكبادَ إذا  انكوتْ خنَقَتِ العبراتِ في المآقي ، وأن الصورةَ حين يستعيدها العقل ليعرضها أمام العين لا تتلوها إلا زفراتُ الأنين وحسرات الفقد واللوعة . 

جَبَرَ  الله مصابَ  هذه القلوب الجريحة ، التي اختار لها العزيز الحكيم هذا القدر لتكون في رحابِ الصبر والحمد  ، أو على شفير الاعتراض والسخط ، والله إن القلبَ ليحزن وإن العينَ لتدمع ولكن ليس للمؤمن إلا أن يقول ما يُرضي  ربه ، ليس له إلا أن يُقرّ هو بنفسه أنه لله قبل أن يكون غيرُه  لله  وأنه راجعٌ أواب مع غيره أو قبلهم أو بعدهم ، وهي الحقيقة المرّة  التي غابت أو غُيّبَتْ  في سويعات المرح والأُنس والفرح ، وليالي السمر وتجاذب أطراف الحديث ، ثم تحضر  الحقيقة ويقعُ الانكشافُ  الذي يُبِينُ المستتر  الحقية التي تهدمُ  كلَّ لذةٍ  ، وتفرق بسوطِها  كل اجتماع ، أدْرَكَ ذلك الناسُ منذ الأزل ، وصرّحوا بهذه المرارة عبر أحداث الزمان فهذا أبو ذؤيب الهذلي قبل مئات السنين يصف فقْدَ أبنائه الأربعة بقوله : 

وإذا المنيةُ أنشَبَتْ أظفارَها 

ألْفَيْتَ كلّ تميمةٍ لا تنفعُ 

وهذا الحسن التهامي يرثي ابنه بتأكيد هذه الحقيقة حين قال : 

حكْمُ المنيّةِ في البريّة جاري 

ما هذهِ الدنيا بدارِ قرارِ 

وشواهدُ الأيام والناس تلبسُ هذه المشاعر الأليمة وتَتَسربلُ بها في صوادف الأيام وويلات المحن والإحن ،  وذلك حين تروِّع الصدمةُ ، ويُذْهِلُ الخبر .

لكم الله يامن تفقدون أرواحكم التي كانت بينكم ، لكم الله يامن وصلتم المحطة الأخيرة وأنتم تعيشون نعمة الاستبشار بالمحطة الأولى ، هي  دنيا من السفر  ، ومركَبٌ مُرَكَّبٌ من الأيام ، فتغمرنا هذه الرحلة بشيءٍ من فتنتها وزينتها ثم حين يستوي المنظر ، وتلذُّ الأعين ينقلبُ ظهر المِجَنّ ! فيستحيل بياض فتنتها إلى سواد حلكتها ، وتتبدلُ بهجتها باكفهرارِ  وجهها  ،  وتترك بقية الأحياء على قارعة طرقها ضاربةً في كل مسمعٍ  بالخبر اليقين الذي ليس بعده شك ، وبالنهاية التي نغطي أعيننا عنها ونصم أذاننا عن سماعها ونوصد الباب دون ألبابنا أن تعرفها ، إنه المآل والمرجع والمآب ، طالت الرحلة أوقصرت ، اقتربَ الأجلُ أو ابتعد ، حانت اللحظة أو تأجلتْ ، فالفِرارُ لنْ  يُلغيَ الملاقاة ، هناك لحظةٌ  ما  تنتظرنا ،  أو تنتظر أحبابنا ، لحظةُ  الأمر الإلهي ، أمْرٌ   بين الكافِ والنون ، محدد بالزمان والمكان ليتحققَ فيه الخبر المؤكد ( إنك ميّتٌ وإنهم ميتون) ليصل النداءُ  العظيم إلى أعماق النفس الصابرة المؤمنة (ارجعي إلى ربك راضيةً مرضيّة) ثم يعقب أمر الدخول في شرف المعية والنسب ثمنا لهذا الصدق والإيمان والاطمئنان حيث انضمام هذه النفس الطاهرة إلى عباد نسبهم الكريم المتعال إليه وحسبُها هذا النسب ،لِتتُفْتَحَ  لهم أبواب الجنة ( فادخلي في عبادي وادخلي جنتي) 

صبّر الله كلَّ قلبٍ جُرِح ، وجَبَرَ الله كل نفسٍ  انكسرتْ ، وربط عليها وبشّرها ببشارة الصابرين ، وما عند الله خيرٌ وأبقى ..

أقرأ أيضا

عدد التعليقات 2

أترك لنا تعليق

يتم عرض التعليق بعد تفعيلة من المشرفين