آخر الأخبار

يُسدل الليل ستاره على أرجاء مدينتي ، تُضاء نوافذ الحي فأعلم بأن الكثير غيري مستيقظ ، كلاً منا يشغله هماً يؤرق عيناه و يسلب منها نومها ، فتلك الهموم أثقلتنا طوال يومنا ما أن يشتد ليلنا حِلكةً نخلع أقنعتنا و نتواجه فرادى معها بلا خوف من نظرات الشفقة في عيون الأخرين ، نحن و هي و سجادة صلاة نأوي إليها كلما اشتدت وطأة المواجهة .

نلقي بها من على أكتافنا في أول سجدة لله ، نتحدث بلا تردد و لا قيود نتحدث كثيراً دون مقاطعة ، نبكي دون أن نخشى على صورتنا القوية في أعين من حولنا ، نردد كثيراً يارب فيقول يا عبدي قد أجبت ، فمن غير الكريم يجيب .

في النافذة الأولى هناك جارتي ، كل ليلة أراها تبسط سجادتها بإتجاه القبلة تتحدث و تبكي ، في أول ليلة رأيتها ظننتها تتحدث مع شخص آخر حتى اكتشفت مؤخراً أنها وحيدة لقد فقدت عائلتها بأكملهم في حادث سير ، لم أرى ذاك الضعف على ملامحها ابداً ، كل صباح تقابلني بإبتسامة أغبطها عليها و أتمنى لو كانت حياتي جميلة كحياتها و ليتها بقيت في عيني هكذا .

أما النافذة الأخيرة في أعلى البناية يعيش هناك زوجان مُسنان قد بلغا من العمر عتيا ، كنت أراهما يتبادلان الحديث و الضحك و تقبيل بعض الصور ثم تبدأ نوبة بكاء تنتهي بوقوفهم أمام القبلة يسجدان و يركعان حتى قرب بزوغ الفجر علمت عندما سألت الجيران عن حالهما أنهما أنجبا أربعة أبناء و منذ قرابة الثلاثة أعوام لم يطرق بابهما أحد هؤلاء الأبناء ، و ما تجود أنفسهما إلا بمكالمة في كل عيد كواجب يودان إنهائه بسرعة .

و بين النافذة الأولى و الأخيرة عشرات النوافذ ، كل نافذة تحمل حكاية مختلفة ، و كل نافذة منهما تحجب شيئاً من الكبرياء لعل صورنا تبقى جميلة بأعين بعضنا صباحاً ، لعل تلك الأقنعة التي نرتديها لتخفي ما بقلوبنا من هم تبقى متماسكة لا تنهار فنُفضح أمام الجميع ، فلا أحد منا يود أن تتعرى همومه و خيباته و انكساراته أمام أعين لا ترحم من جارت عليه الحياة .

أقرأ أيضا

عدد التعليقات كن أول المُعلقين

أترك لنا تعليق

يتم عرض التعليق بعد تفعيلة من المشرفين