الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده                     

                                       وبعد :-   

تقبل الله منا ومنكم الطاعات ، وجعلنا الله وإياكم ممن أعيد عليهم العيد أعواماً عديدة ، وأزمنةً مديدة ، ونحن وإياكم وجميع المسلمين في حياةٍ سعيدة . قال تعالى ( وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدواْ إِلاَّ إِيَّاه وبالوالدين إحساناً ) وقال تعالى ( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً ) سورة الإسراء آية 23 و 24                          تمر الشهور والسنين وهذا العام السابع الذي كلما حلَّ بِنَا العيد إنتابني إحساس غريب ، وداهمني شعور لايوصف من الشوق والحنين الذي يعجز لساني عن وصفه ، فأسبح في بحور الذكريات ، واسترجع شريط الماضي والسنوات ، وارجع للوراء بكل تفاصيل الحياة الجميلة ، إنها نور عيني ونبض فؤادي ،  وسر فرحتي وسعادتي وإسعادي ، لقد ذهبت معها بنور الحياة الذي كنت استنير به في الليالي الحالكة والدياجير المظلمة ، وكانت ظلاً وارفاً استضل به من هجير الوقت القاسي إذا انهكتني الحياة بلأوائها ونصبها وعنائها وتعبها ، وماءً رقراقا عذباً زلالاً أتلذذ بشربه على الظمأ ، ولَم أكن أدرك أن برحيلها ستترك فراغاً لم ولن يملأه أحد سواها ، وصدق من قال :-< الإنسان لايعرف قيمة النعمة إلاَّ حين يفقدها >، ومن ينعم بهذه النعمة فلن يدرك فضلها وبركتها إلاَّ بعد زوالها ، إحترت وأنا استجمع قواي وأستل قلمي المتواضع الذي يشاركني الحزن ويؤنس وحدتي وقلة حيلتي بماذا أبدأ وماذا أقول فاجتمعتا حيرة كاتب وألم وعجز قلم .

نعم ايوالله أيها الأحبة إنها النعمة التي لاتضاهيها نعمة ، ولاتشابهها مزية ، وهي العطاء يوم أن قل الوفاء ، هي البلسم الشافي والمنبع الصافي يوم أن تغيرت المشارب وتوالت المتاعب ، هي الأُنس والأَنيس وأفضل جليس في زمن جف فيه الحب ، وندر صدق المشاعر من القلب ، هي الحضن الدافئ الذي لاغنى للإنسان عنه صغيراً كان أوكبيراً فَلَو قُدِّر لي أن استمطر السماء بوابل الخواطر والأحاسيس والمشاعر ، وجمعت من كل كتاب أفضل الكلمات وأجزلها ، ومن كل بستان وحديقة أطيب الثمار وأبهى الورود وأروع الزهور وأجملها  ،  ومن كل معلقة شعراً يطرب النفس ويبهج الروح ، وتصيدت مع كل صباح جميل نسمات الهواء العليل ، واستفزعت بالشعراء وبأصحاب النثر الفُصَحَاء وبالأُدباء والأَوفياء ، وسكبت على حروفي أطيب الطيب الفاخر ، وجمعت كل الأوراق والمحابر ، فوالله وتالله وبالله حالفاً غير آثم لن أوفيها قدرها ولا أقل القليل من حقها وبرها ، فهي سبب وجودي بعد الله في هذه الحياة تجلى ربي في علاه ، هي الأم الرؤوم ، والعطر الزاكي المشموم، والقلب الرحوم ، هي الأصل وأنا فرع فكيف لاأحن إلى أصلي ، وفرحة أملي، كيف بربك ياعاذلي قلي ، هي السند يوم أن فُقِدَ السند ، وهي البهجة يوم أن غاب يوم السعد ، وهي الكرم يوم أن تلاشى وانعدم ، كم كنت أتمنى أنها بجواري فأقبل كلتا يديها الحانيتين ، وأنطرح عند رجليها التي أضناها تعب السنين ، وارتمي بين أحضانها فيرتاح فؤادي وتقر العين ، فأنا وإن داهم الشيب رأسي ولحيتي أراها الملجأ الحقيقي ، والحصن الحصين ، والمرسى الآمن ، ومصدر الحنان ، ومنبع الود والتودد الذي لم أعرفه مع سواها ، وهي الأحاسيس المرهفة والمشاعر الجيَّاشة التي تتدفق من أرضها وتحلق في سماها ، أَتَذَكَّرْ يا ( أُمَّاه ) يوم أن كنتي تبكين في كل عيد وأنتي تشاهديني مع بقية إخوتي ونحن متهيئين للذهاب لصلاة العيد وعندما استغرب وأسألك عن سبب بكائك تقولين ( الحمد لله ، يارب يارب لاتضيع تعبي في تربية أبنائي ) فلا العيد بعدك ياأماه عيد ولَم نسعد فيه بلبس الجديد .

تخنقني العبرات وتتوالى الزفرات حينما أتذكر يوم أن تقومي من مكانك ولايهدأ لك بال حتى تودعيني من أمام بيتنا في قريتنا الصغيرة وتلوحين بيدك الكريمة وتقولين  ( مع السلامة ، في أمان الله ، أستودعتك الله ياولدي )ونفترق وكلٌ منَّا يتجرع مرارة الوداع الموجع ( أُمَّاه ):- حبيبة قلبي المكلوم تأكدي وإن طال الغياب ، وتباعد الأحباب والأصحاب ، وأصبحتِ رهينة قبرك والتراب ، أن هناك من يدعوا لك في كل صلاة ، وفي كل الأوقات أن يرحمكِ ربي رحمة الأبرار ، ويجمعنا بك في جنته مع حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم وأهل بيته الأطهار  ، وصحبه الطيبين الأخيار ، في جنةٍ عرضها السموات والأرض    ( أُمَّاه ) :- والحزن يعتصر قلبي والدموع تنهمر من مقلتي أقولها والكآبة تغشى مشاعري ( الفرح والسعادة غابت وماتت يوم أن غادرتي ) والدنيا بأسرها وبكل مافيها لم ولن تسد الفراغ الذي تركته في حياتي .

 أَعْلَم عِلْم اليقين ، ومؤمنٌ برب العالمين ، أن الموت حق وفراق الأحبة حاصل لامحالة ، وأن أقدار المولى سبحانه ستمضي شئنا أم أبينا ، سخطنا أو رضينا ، فليس لنا إلاَّ الإيمان الصادق منهجاً وعنواناً والصبر والإحتساب في كل زمنٍ ومكانا ، ليخفف لهيب الشوق ومرارة الألم ولوعة الفراق قال تعالى ( كل من عليها فانٍ * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام )سورة الرحمن 26+ 27 وأخيراً وأختم :- يامن أكرمه الله بوجود والديه أحدهما أو كلاهما احمد الله على هذه النعمة العظيمة التي حرم منها الكثير من الناس وعليك ببرهما أحياءً وأمواتاً فإنهما كنز لايعوض ولايقدر بثمن ، وباب من أبواب الجنة الثمانية الله الله أن تضيعه ، أو تخطئ طريقه ، فهما نور الحياة ، ومصباحا الدجى ، والبركة الحالة في المال والأهل والجسد والوقت  ، وهما السعادة والتوفيق  ، فحذاري حذاري أن تخطئ الخُطاَ والطريق  ، وكن لهما الصديق وأوفى رفيق ، لتفوز بالدارين .

    ربِّ ارحمهما كما ربونا صغاراً  ، وأعنا على برهما أحياءً وأمواتاً ،  وسراً وجهاراً ، وصغاراً وكباراً  ، وجازهما بالحسنات إحساناً وبالسيئات عفواً وصفحاً وغفراناً ، اللهم من كان منهما حيَّا فأطل عمره على طاعتك ، وأحسن خاتمته ، ومن كان منهما مريضاً فألبسه ثياب الصحة والعافية ، وشافه وعافه عاجلاً غير آجل ، ومن مات منهما فأكرم وفادته ، وضاعف بعفوك سعادته ، وأنزل على قبره شآبيب الرحمات ، واجعله ممن يأتي آمناً يوم القيامة ، ويَسِّر حسابه ، ويَمِّن كتابه ، وتوله فيمن توليت بمحض عفوك وجودك وكرمك ، ياذا الجود والإحسان ، واجمعنا بهما في دار كرامتك ، وبحبوحة جنتك ، إنك سميع قريب مجيب الدعاء.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


 أخوكم ومحبكم وراجي الخير لكم / فايز بن جابر آل تركي العلياني - المنطقة الشرقية - الدمام 2/10/1441

أقرأ أيضا

عدد التعليقات 1

أترك لنا تعليق

يتم عرض التعليق بعد تفعيلة من المشرفين