الحمد لله الذي كتب الفناء على جميع الخلائق ، وخص المؤمنين بالثبات على دينه عند نزول الموت وجنبهم المزالق ، أحمده على ماقدر وقضى ، وأسأله المغفرةوالرضى ، وأشهد أن لاإله الا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله          وبعد :- 
قال تعالى في محكم التنزيل ( واعبدوا الله ولاتشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً...) سورة النساء آيه 36 وقال سبحانه ( ووصينا الإنسان بوالديه حملته أُمُّهُ وهناً على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إليَّ المصير ) سورة لقمان آيه 14 وقال حبيب القلوب عليه أفضل الصلاة والسلام ( ألا أحدثكم بأكبر الكبائر ❓ قالوا : بلى يارسول الله قال : الإشراك بالله وعقوق الوالدين ) وقال عليه السلام في حديث آخر رواه أبوبكره نفيع بن الحارث رضي الله عنه ( كل ذنوب يؤخر الله منها ماشاء إلى يوم القيامة إلاَّ البغي وعقوق الوالدين أو قطيعة الرحم يعجل الله لصاحبها في الدنيا قبل الموت ) ( حديث صحيح ) والشواهدفي هذا الباب كثيرة ولكن يكفي من العقد ما أحاط بالعنق ، ومن السوار ما أحاط بالمعصم ، وهذه مقدمة عن ما أريد الحديث عنه وهو فضل الآباء على الأبناء ،فالكثير من الناس يشيد بفضل الأم في المحافل والمناسبات ، وهذا مطلب شرعي نوصي به دائماً ، ولكن ينسون أويتناسون فضل الأب وعظم شأنه عند الله وهذا من سوء الفهم وصراحة الإجحاف ، فالأب هو القلب الذي ينبض بالعطاء إلى آخر لحظة بالحياة ، وهو السند والقوة بعد الله ، وهو الوحيد وبلا شك الذي يتمنى أن يراك خيراً منه في كل شئ ، كما ذكر ذلك سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه ، فالأب هو قائد الحياة وروحها وهو الإستقرار الأسري وصَمَّام الأَمان ، وهو الملاذ والحصن الذي يُلْجَأ إليه بعد الله عند نزول الشدائد والكروب ، وإذا إدلهمت بِنَا  الفتن والخطوب ، وهو الذي يحتمي به كل إبن وبنت عند كل نازلة ، وهو بمثابة الروح عندما تخرج يتهاوى الجسد ، وهو النبراس والقدوة التي يحتذى بها ، وقلب الأب هو هبة الله الرائعة التي تُذْكَرْ فَتُشْكَرْ ، فالأب كالعمر لايتكرر مرتين ، والأب لايشبهه بالوجود أحد ، فإذا تحدثنا عن الأب فنحن نتحدث عن الوفاء والعطاء دون مقابل ، فإذا كانت الأم هي نبع الحنان ، فالأب هو الأمان الحقيقي • ومما تسعفني به الذاكرة فيما مضى من العمر  أتذكر تلك السنين التي مرت مرَّ السحاب والتي كان فيها والدي رحمه الله تعالى يصطحبني معه للجامع الوحيد بقريتنا الصغيرة في ليالي الشتاء الباردة لصلاة الفجر وهو يردد ونحن نمشي سوياً ( الله الله في الصلاة ياولدي ) وكبرت وعرفت معنى هذه الكلمات التي تعتبر منهج حياة فكانت لي كالفراء الدافئ الذي يغطي جسدي الصغير ، وكان لأبي مكان معروف في الصف الأول بالجامع لايكاد يسبقه إليه أحد فكان يستند على جداره لِيَسْبَحْ في ملكوت الله ولسانه يلهج بالتسبيح والإستغفار ، وسائر الدعوات والأذكار ، فكان من جماعة المسجد الموفقين والمحبوبين ، والمشهود له بالخير والصلاح من أهل قريته الطيبين ، ولانزكي على الله أحداً • وعندما كان والدي رحمه الله يصارع سكرات الموت أكرمني الباري فكنت بجواره ويدي بيده وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة ليودع هذه الدنيا الفانية ، وتصعد الروح لباريها في يوم جمعة بساعة إستجابة ، وكان برفقتنا العم(مفرح بن تركي ) رحمه الله وأعلى منزلته بالجنة وأخي الأكبر ( تركي بن جابر ) أطال الله في عمره على طاعته ومتعنا بوجوده وألبسه حلل الشفاء وبعض الأقارب ولَمْ ولَنْ أنسىٰ يوم أن قال له أخاه العم مفرح :- ( ياجابر قل لاإله إلا الله ) فقالها بكل سهولة ويدي بيده وأنا أنظر إليه ثم شخص بصره للسماء وفاضت روحه الطيبة لباريها ولَم أعرف أنه مات إلا بعد أن أَغْمَضَ أخي الأكبر عيناه بأصابعه وقَبَّل على رأسه ثم غطى وجهه باللحاف الذي كان يغطي جسده الطاهر ،فكان لهذا المشهد وقع كبير في حياتي ، وموقف مؤثر لم أنساه ويصعب نسيانه ، لقد كان أبي  محباً للخير واصلاً لأرحامه وأقاربه ، وفياً مع إخوانه وأخواته وأصحابه ، ذكره طيب بين جيرانه ومعارفه ، خرج من هذه الدنيا الفانية ولَم يُوَرِثْ درهماً ولا ديناراً يذكر ، ولَم يكن مديوناً لأحد أو مطلوباً بشئ ، لكنه وَرَّثَّ الذكرىٰ الطيبة والأخلاق الحميدة ، فكان بين الناس محبوباً ومجلسه مرغوباً • 
كان رحمه الله رحمة الأبرار شجاعاً مقداماً لاتأخذه في الله لومة لائم ، ومن سأل عن بطولاته وصولاته وجولاته التي يعجز عنها الأبطال ، ومازال يتحدث عنها النساء والرجال ، وجد الجواب الشافي والكافي • وقد أنقذ إحدى قريباتنا في قريتنا بعد أن سقطت في إحدى الآبار وعرض نفسه للخطر لينقذ نفساً من الغرق فكان له ذلك ، جعلها الله في ميزان حسناته يوم الوقوف بين يديه ، ويعتبر  أبي من المعمرين على مستوى المنطقة ، وكان محباً لهذا الكيان السعودي ولحكومتنا الرشيدة الفريدة ومن إعجابه وحبه الشديد بالملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود رحمه الله أسمى أحد إخوتي  ( فيصل ) تيامناً به فرحم الله الشهيد الملك فيصل آل سعود وأبقى لنا أخونا وحبيبنا فيصلاً ، وقد سألته ذات مرة على من أسماني ( فايز )حيث أنني أنا الوحيد الذي أحمل هذا الإسم في عائلتي آل تركي فرد عليَّ مبتسماً وقائلاً  ( سميتك على فايز بن جابر آل منصور الله الله من رجَّال ) وكان يثني عليه ثناءً عطراً وهو والد المؤذن صاحب الصوت المميز الذي كان يصدح أذانه في أرجاء القرية لعقود إنه العم / محمد بن فايز رحمه الله ووالديه وجميع المسلمين وأخيرا أخي الغالي وأختي المباركة تذكَّر وتفكَّر بأن الأب لايعوض مطلقاً فاستغل وجوده إن كان حيََّا يرزق ، وأسعى في بره واستمر ما استطعت إلى ذلك سبيلاً ، وإن كنت مقصراً فاستدرك مافاتك ولاتفتر ، وأسأل الله الإعانة والسداد ، واحذر أشد الحذر أن يموت والدك وهو عليك غضبان فتبوء بالخسران المبين ، والفعل المشين ، في دنياك وفِي آخرتك ، وأعلم أن البر لاينتهي ولايتوقف بوفاة الأب وهو أحوج مايكون إليه وهو رهين قبره ، وحبيس عمله، فعليك بالدعاء له دائماً ، وبذل الصدقة والنفقة على نيته ، وصلة أقاربه وأصدقاءه ، وأعمال الخير ولله الحمد كثيرة ومتيسرة لمن أراد ، والموفق من وفقه الله ،واستمر على ذلك ماحييت وأوصي به الأبناء والأقارب وستجد ماتفعل بركةً فيك وفِي أهلك ومالك واجعل هذا الحديث نصب عينيك الذي رواه الصحابي الجليل أبوهريرة رضي الله عنه وأرضاه يقول الحبيب عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث :- ( صدقة جارية ، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ) رواه مسلم وتذكر قوله تعالى ( وبالوالدين إحساناً ) وقوله تعالى ( والله يحب المحسنين ) اللهم ارحم أبي ماتعاقب الليل والنهار ، وأنبتت الأزهار ، وأثمرت الأشجار ، وغردت الأطيار ، وهطلت الأمطار ، وسار الغمام ، وغردت البلابل والعصافير والحمام ، ووالدتي الغالية ووالدينا ووالديكم ومن وصونا بالدعاء واستوصيناهم بالدعاء ومن أحببناهم وأحبونا فيك  ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين • ( اللهم آمين ) 


أخوكم ومحبكم وراجي الخير لكم / فايز بن جابر آل تركي العلياني 
المنطقة الشرقية - الدمام الاثنين 8/11/1441

أقرأ أيضا

عدد التعليقات 24

أترك لنا تعليق

يتم عرض التعليق بعد تفعيلة من المشرفين