آخر الأخبار

من المطالب الوظيفية أن يُؤدِّي الموظف مهامَّ وظيفته وينْضَبِط خلال ساعات دوامه، وهذا  القَدْر يشترك فيه الموظفون كل حسب علمه وقدرته، إلا أن فئة منهم خصّهم الله بما يُعينهم على الابداع والاستمرارية في التفوق مهما طال الزمن، وهم الذين يَحمِلُون هَمَّ الوظيفة إضافة إلى إخلاصهم وحرصهم على إتقان العمل بأعلى الدرجات وحسن المنتج بأفضل المواصفات..

نوادرَ هؤلاء الرجال الذين يُعطُون الوظيفة أهمية بالغة، فتراهم يُرتّبون ظروف حياتهم وحاجاتهم في المرتبة الثانية والثالثة بحيث لا تتقدم ولا تتعارض مع عملهم الوظيفي، ويجعلون أشغالهم الخاصة وسفرياتهم في فضول أوقات الوظيفة من غير تقصير في مسؤولياتهم الدينية والأسرية الأهم.. 

إن هذه المواصفات العالية قد عايشناها تماما أيام الزمن الجميل وهي متمثلة في شخصية قيادية حكيمة من الرعيل الأول أرباب المصداقية والتفاني في العمل الذين جُلَّ همِّهم حُسنَ المُخرَجات والتنافس الشريف للبقاء في الطليعة..

سيرة مشرفة وجهد مبارك لأستاذنا العِصَامي وهو يُدير مدرسة كبيرة ظروفها صعبة من حيث مبانيها القديمة وعدم توفر الخدمات الأساسية، وأيضا موقعها الجغرافي بمركز شفا بلقرن حيث الأجواء الباردة والضباب في غالب العام الدراسي، وقد كانت المعاناة كبيرة خاصة حين ممارسة الأنشطة والاحتفالات التي تكلف بها المدارس كل عام، ومع ذلك صبر وصابر وحققت المدرسة في عهده مراكز متقدمة وتميزا منقطع النظير بفضل الله ثم بحسن قيادتة وحنكته إضافة إلى كوكبة من الرجال الأوفياء كانوا يعملون معه بروح الفريق الواحد جعل الله ما قدموا في موازين حسناتهم، ولهذا إذا ذُكِرَت متوسطة وثانوية آل سليمان حضر في الأذهان مباشرة طيف مديرها الأول وقائدها الناجح الأستاذ الفاضل : عايض بن ظافر بن ظويفر القرني رفع الله قدره وجزاه عنا خير الجزاء..

هذا القائد الرمز عشنا معه طلابا ومعلمين وأدركنا يقينا ما كان عليه من التميّز والصبر بعدما كبرنا وعرفنا الوظيفة وهمومها، وضرب أروع الأمثلة في الانضباط والاهتمام والقيادة بكل مواصفاتها ومتطلباتها، وقد مَرّ عليه فئام من الطلبة والمعلمين من شتى الجنسيات والمشرفين والزوار والمسؤولين والخدم والمواقف المتنوعة وهو صابر محتسب يُوجّه ويُربي ويخاطب ويطالب ويخطط وينفذ ويُقيّم ويستقبل ويودع ويزور ويعزّز ويحفّز إلى غيرها من المهام التي تنوء بها الجبال إضافة إلى أنه بشر يمرض ويتعب وله ظروفه الخاصة في بيته ومع عشيرته، وليس هذا الجهد العظيم خلال شهر أو سنة فحسب بل على مدار أربعة عقود من الزمن وهو يكافح بهمة عالية "ما شاء الله لا قوة إلا بالله"، وقد تخرج من تحت يده مئآت الخريجين الذين أصبحوا اليوم بشهادات عالية وفي وظائف ومناصب مرموقة..

وقد عرفت عن معلمي القدير مواقف رائعة أثناء دراستي وأثناء عملي بالإشراف التربوي وفيها دروس وعبر، غير أن موقفا لا أنساه ولا بد لي من روايته هنا كشاهد على ما سطرت في سعادته، حيث كنت أدرس بالصف الأول الثانوي حينما أقامت المدرسة حفلها الختامي عام ١٤٠١ من الهجرة في ليلة شاتية وكان والدي حفظه الله متعاونا يَمُدّ المدرسة بالكهرباء ليلة الاحتفال إِذْ لم يكن بالمنطقة كهرباء عامة، ولما انتهى الحفل المسرحي بعد منتصف الليل انتظرت عند المدرسة لآخذ الأمر النهائي بإطفاء مصدر الكهرباء، وتوقعت أن جميع المعلمين سيغادرون سويا أو يبقى بعدهم الفراش أو الوكيل غير أنني تفاجأت أن الأستاذ عايض بنفسه ودَّعهم جميعا وشكرهم وكان سعيدا بنجاح الحفل ثم غادروا وبقي هو بمفرده يتفقد محتويات المدرسة وينظر هنا وهناك حتى اطمئن قلبه ثم قال لي الآن بإمكانك إطفاء الكهرباء مشكورا وغادر بحفظ الله، حينها عرفت أنه مع جِدِّه وحزمه كان رحيما متواضعا وأن المدرسة كانت في قاموسه لها شأن عظيم !

أولئك آبائي فجئني بمثلهم..إذا جمعتنا يا جرير المجامع.

تقبل الله من أستاذنا الغالي ما قدّم وبارك في عمره وعمله ومتعه بالصحة والعافية، ويكفيه فخرا بقاؤه في القمّة إلى أن ترجّل من عمله بعد أن حاز العشرات من شهادات الشكر والتميز والذكر الحسن، ورزقه الله قبولا ومحبين كُثْرْ هم ذخر له في الدنيا والآخرة بإذن الله. ومن حقه أن يُشكَر ويُشاد بإحسانه فله منا فائق الإحترام وجزيل الشكر والتحايا..والحمد لله أولا وآخرا.


 شبيلي بن عوض القرني- مكة المكرمة

أقرأ أيضا

عدد التعليقات 1

أترك لنا تعليق

يتم عرض التعليق بعد تفعيلة من المشرفين