العمارة فن يؤرخ لوعي الشعوب، ويكرس مفاهيم التعامل مع البيئة، وظروف عناصر الطبيعة، ومن هنا كانت بيوت "الطين والحجر"إحدى فنون العمارة القديمة التي تعكس التطور الحضاري للشعوب في الزمن القديم ، وتعبر عن تطور حاجة الإنسان في كل زمان ومكان إلى السكن و يمثل بناء المنازل القديمة فنا معماريا وهندسيا متميزا ،وهو يندرج ضمن النمط المعماري السائد، والذي يتسم بالقوة والمتانة والصلابة ،ويتخذ شكلا هندسيا يبعث على الهيبة والشموخ والصمود.
بيوت الطين.. بيوت تم بناؤها من قبل الآباء والأجداد في الزمن القديم فكانت الطرقات ضيقة جداً وبعضها مسقوف ومتعرجة واستقامتها قليلة، وهي في الواقع جزء لا يتجزأ من تراثنا
الأصيل ورمز للحضارة وأصالة الماضي العريق، وضلت قائمة منذ عشرات السنين والبعض الآخر منها لا يزال يتحدى الزمن ويقاوم الظروف بالرغم من بساطة البناء ومكوناته المتوفرة مثل الطين والحجارة وجذوع الأثل والنخيل والسدر والجريد .
والناظر بتبصر إلى واقع تراثنا الأصيل والتليد المتمثل في المنازل القديمة, يرى مشهدا يبعث على العزة والكرامة والإباء ويستثير في النفس مكامن الشوق لتلك الأيام الخوالي.
إن مهنة البناء لتلك البيوت تظل موروثا نعتز به وقيمة يجب أن يعرفها جيل الحاضر والمستقبل
وقد روعي في تصميم المباني السكنية بمحافظة بلقرن وطرق تشييدها أن تتواءم مع الظروف البيئية كالتضاريس والمناخ وأن تتلاءم مع الظروف الاجتماعية كالعادات والتقاليد العربية القديمة.
وعملية البناء قديما كانت تبدأ بالرسم للمبنى ثم البداية بوضع الأساسات والجدران ثم يتم بعد ذلك التوزيع ووضع الأعمدة في المنتصف والتي تكون منقوشة ومزخرفة ليتم بعد ذلك ردم السطح والذي يأتي في احتفالية جماعية يشارك فيها جميع أهالي القرية وهي ما تسمى بالطينة وفي نهاية المطاف تتم عملية التجميل من الخارج والداخل،حيث يتم نقش الجدران ببعض النقوش والكتابات.
ويختلف بيت الطين من منزل لآخر على العديد من الأجزاء المميزة ومنها:
المجلس: ويسمى (القهوة) و (المشب) وهو محل استقبال الضيوف وعناية صاحب البيت حيث يحتوي على (الكمار)
الذي يوضع فيه الدلال والأباريق ويحتوي ايضا على الوجار (المكان الذي تشب فيه النار)
كي تعد فيه القهوة والشاي وعادة الرجال هم الذين يتولون مهمة عمل القهوة للضيوف.
الدهليز: وهو الممر من المدخل الرئيسي الى بقية الدار، ويكون مستطيل الشكل.
البراحة: وهي فناء الدار وحوله مجموعة من الغرف، ودائما يجتمع فيه أفراد العائلة ويتبادلون فيه الأحاديث الجميلة،
كما يوجد في أحد أركانه غالبا بئر ماء ونخلة أو نخلتين وشجرة رمان وما شابهها.
غرف الدار: وتختلف في أعدادها حسب عدد الأسرة، وتخصص غرفة للنوم وغرفة للطبخ وغرفة لتخزين المواد الغذائية وكذلك غرفة لتخزين علف الماشية.
الدرج: وهو السلم الذي يؤدي الى الدور الثاني، ومعظم بيوت الطين مكونة من دورين وسطح.
سطح الدار: ويكون ذا جدار مرتفع لاستخدامه في المبيت ليلا وقت الصيف.
الروشن: وهي غرفة واحدة في سطح المنزل ولها مجموعة من النوافذ، وتستخدم كمسكن خاصة للفتيات المقبلات على الزواج
ويهتم بها من الناحية الجمالية وذلك بكثرة ألوانها المتعددة من الداخل، وأحيانا تتم استخدامها لحفظ الحبوب أو مفارش النوم.
الشرفات: عبارة عن زوائد تبنى على امتداد جدار المنزل وعادة تكون ثلاث لبنات من الطين توضع الأولى والثانية على امتداد واحد 
والثالثة فوقها بعد ذلك يضاف الجص الابيض لكي تعطي شكلا جماليا مميزا للمنزل.
كما يوجد فيها بعض الحصون الدفاعية التي استخدمت للمراقبة وحمايتها من الغارات .
ولعظم مكانة تلك البيوت بقلوب الناس تغنى بها الكثير من الشعراء الشعبيين ومن قصائدهم التي تتحدث عن بيوت الطين في الماضي وجمالها وعشق الناس لها تلك القصيدة التي هاضت بها قريحة ذلك الشاعر التي يتحدث فيها عن عشق الأطلال ومنها قوله:

يا ناس ذاك البيت لا تهدمونه

خلوه يبقى للمحبين تذكار

خلوه حب سنين خلفه ودونه

في داخله قصة مواليف وأسرار

من يعشق الأطلال دمعه يخونه

لا صارت أقدامه على سكة الدار

عش الحمام اللي بعالي ركونه

رمز الوفاء، رمز المحبة، والإصرار


ولكن بالرغم من التاريخ والعراقة لتلك البيوت التي تمثل الإرث والعمق التاريخي لمحافظة بلقرن إلا أن تجاهل الهيئة العامة للسياحة والآثار لهذا التراث الجميل يحمل كثيرا من علامات الحيرة والاستغراب .
فبيوت الطين أصالة الماضي العريق والحاضر والمستقبل المجيد لأهالي المحافظة تُعاني كذلك من إهمال الترويج السياحي لها من ناحية وسائل الإعلام  وهذا يؤدي إلى عدم معرفة الكثيرين من أبناء الوطن لما يحتويه وطنهم من كنوز أثرية كبيرة .

ومن هنا وعبر منبر بلقرن الأول نناشد- فرادى وجماعات - المسؤولين بالإهتمام والحرص وإعادة ترميم أغلب القرى الأثرية والحصون لتبقى شاهدا على التطور المعماري القديم والتراث الأثري للأجيال القادمة.

أقرأ أيضا

عدد التعليقات كن أول المُعلقين

أترك لنا تعليق

يتم عرض التعليق بعد تفعيلة من المشرفين