"عماية ما تبصر شكعة"
هذا المثل وإن كان عامياً كما يبدو إلا أنني وجدت له أصلاً في اللغة ، فالعماية من العمى وهي الضباب كما هو معروف ، والشكعة نبتة صغيرة دقيقة العيدان، فهذا المثل يضرب عادة إذا كان الضباب كثيفاً لدرجة أن هذه النبتة الدقيقة جداً يصبح إبصارها متعذرا.

وكم يحز في النفس حين تفتح باب بيتك هذا الصباح لتجد الضباب يحجب الأفق عنك ، ولا تملك إلا أن تحدّق بعينيك لتتبع إشارات الطريق وتفرح حين يتجاوزك أحدهم ليوفر عناء التحديق باتباع نور سيارته.

الشاهد هنا أني أريد أن أتحدث عن ذلك الرجل الذي تاه في الضباب!!

طبعاً هذه قصة حقيقية حدثت في منطقتنا ، وللأسف أنها لم تأخذ حظها في وسائل التواصل الاجتماعي فللناس اهتمامات وربما لم تكن قصة صاحبنا منها.

فهو يعاني من فهم الناس له ويلحظ ذلك في أكله وشربه معهم بل في حياته كلها.

استيقظ ذات يوم وسرعان ما نظر لوجهه في المرآة ليتفقد حلاقة وجهه التي لم يتأخر في نومه البارحة إلا بسببها ، حدّق النظر وقال في نفسه : حقّا، لقد برع الحلّاق هذه المرة في تنفيذ ما أريده منه.

خرج صاحبنا من بيته بسيارته ذات الدفع الرباعي التي اجتمع فيها من المواصفات الشيء الكثير ، واتجه نحو الجنوب ، هو لم يكن ليتجه للجنوب لولا أنه رأى سيارة أشبه ما تكون بسيارته اتجهت هناك.

وصل إلى آخر "دوار" في الطريق وترك مخرجه الأول والثاني ليعود أدراجه فالجو ليس على ما يرام كما يبدو ، وسرعان ما دخل منزله ووقف أمام المرآة ثانية..

هو لما خرج من منزله لم يكن ينوي العودة إليه ، ولكنه أيضاً لم يكن ينوي الذهاب إلى أي مكان ، غير أنه اعتاد الخروج من المنزل كل صباح.

وهو حين ينظر ويحدق إلى المرآة كل يوم لم يكن مشغولا بأمر الحلاقة بقدر ماهي أسئلة تتزاحم في ذهنه كل صباح :
إلى أين أنا ذاهب اليوم؟
وإذا تحدد مصير اليوم ، فإلى أين أنا ذاهب غدا؟
إلى أين يأخذني المستقبل؟
ترى ، ماذا سيقول عني الناس بعد موتي؟

أسئلة حيرى لا تجد لها جوابا ، وهنا عم الضباب ذهنه وأفقه فلم يعد يبصر شكعة.

إن انعدام الرؤية لدي ولديك يجعلنا في ما هو أشبه بالضباب نتخبط فيه كالذي يتخبطه الشيطان من المس ، صحيح أننا نسير ونتحرك وربما لدينا وظائف ومرتبات ولكن لو وقفنا مع أنفسنا قليلا نجد الأسئلة الحيرى تنهال علينا من كل جانب ، بينما اتضاح الرؤية يجعلنا علامات للناس يهتدون بها.

ولنعلم أن هناك أناس لمّا اتضحت رؤاهم جعلوا الأرض كلها مطية لهم في سبيل هذه الرؤية فها هي أم سلمة رضي الله عنها حين سئلت عن ابنيها الذيْن دفن أحدهما شرقا في آسيا والآخر غرباً في أفريقيا قالت : باعدت بينهم الهمم.

أقرأ أيضا

عدد التعليقات 10

أترك لنا تعليق

يتم عرض التعليق بعد تفعيلة من المشرفين