عشرة أريل وعشر ريالات لا فرق بينهما عندي ، ولكن دعوني آخذكم لقصتي التي ما تذكرتها إلا وهاج في نفسي شعور قديم فيه من الغبن والحسرة مالله به عليم ، إذ كيف لطفل صغير يفقد عشر ريالات غيلة بعد أن كان يرى آلامه وآماله مرهونة بها.
عجيبون هم الأطفال ، ما إن يدخل أحدهم مجلساً إلا بدأ الكبار يقبّلونه ويحضنونه ويقولون لبعضهم انظر إلى براءة الطفولة ، إلا أن هؤلاء الأطفال شرهون إلى المال شراهة تتجاوز ربما الكبار ، بل إن الريال الواحد قد يبكون لأجله الساعات الطوال ، وكم يغيظني الآباء الذين لا يرون توفيقاً لأبنائهم في غير جمع الدراهم وعدها.
وأذكر أني قابلت مرة طفلا يتوارى خجلاً خلف أبيه ، ثم ما لبث أن اطمأن وأخرج لي محفظة نقود صغيرة أخرج منها أربعة عشر ريالاً فقمت أبدي إعجابي به وبإنجازه ثم سألته مالذي ستفعله بهذه النقود فقال:
سأشتري بها محفظة أخرى.
لا عليك يا صديقي من هذا فسأكمل لك قصتي.
عشت طفولتي في بيت عجيب ، ناحيته الغربية تفتح على صخب المدينة وشوارعها وإزعاجها ، وناحيته الشرقية على ضفاف وادٍ صغير يسمى ساقية يحول بين بيتنا وبين مزرعتنا التي تقع على ضفاف الوادي الكبير.
كانت المزرعة حياتنا فربما مكثت فيها أكثر مما مكثت في بيتنا ، ولم يكن لدي مهمة فيها غير الفضول الذي ربما استمر معي لأكتب لكم هذه السطور.
الحياة هادئة في مزرعتنا ولكن ما إن ينزل المطر حتى ترتسم لوحة أخرى للحياة ، الساقية يجري ماؤها فتجري دماؤنا في عروقنا من جديد وكأنها قد جفت بجفاف الأرض.
نصحوا من نومنا على قرع المطر لنوافذ بيتنا ، فلا نفرح بغائب ولا ضيف فرحنا بهذا المطر.
الجميع يستبشر ويخاف فربما استدعى أن نخرج في المطر الشديد لنطمئن على غنمنا هل أوت إلى حظيرتها ، وربما حملنا بعضها إلى مكان أكثر أماناً ولا تسمع إلا صراخنا الذي لا يصحبه غضب أبدا لأن الغضب وقت نزول المطر ليس من المروءة عندنا ، فقد تعودنا من أبي العفو إذا أذنبنا وقت نزول المطر وكم نتمنى أن يكون كل ذنب لنا في هذا الوقت.
وقد كان أبي وما يزال يحفظ غنمنا شاة شاة ، فإذا رعت سأل أين فلانة فيخبره الراعي أنها أنتجت حملا جديدا فيحمد الله ، ولقد حاولت أن أحفظ الغنم فلم أستطع إلا إذا اختلفت ألوانها وهذا شأن الفضوليين.
المهم..
كان لدينا شاة مباركة لا تنتج بغير حمليْن اثنين، وكم هي رحيمة بحمليها ، وكنا ندعيها "الكهلة" ، فلقد تجاوزت الثلاثة عشر عاماً، وغريب أن نعرف عمرها لولا توافقه مع ميلاد شقيقي ، ولما كبرت وحارت قواها أخذنا حزن عام لنستدعي الطبيب البيطري فما زادها إلا رهقا.

وفي عشية يوم ذهبت بصحبة أمي إلى المزرعة لنطمئن على الشاة ، وأخذنا نحاول يائسين مساعدتها على الوقوف ففاجأتنا بنهوضها وأخذت تركض لبقية القطيع ، فأخذت أركض أنا أيضا لأبشّر أبي وأقول في نفسي كم سيفرح أبي بهذا ، ولما وصلت إليه بشرته وأنا لا أكاد ألتقط أنفاسي فقد ركضت قرابة الألف متر فأدخل يده في جيبه وناولني عشر ريالات كأنها شيك مفتوح في وقتها حتى إنني لم أدخلها في جيبي فرحة بها أتحسسها بين أصابعي وأستشعر قيمتها فكل ما أريده في ذلك الوقت هو دون العشر ريالات ، وما هي إلا لحظات حتى جاء أخي الكبير وأخذ عشرتي.

أقرأ أيضا

عدد التعليقات 8

أترك لنا تعليق

يتم عرض التعليق بعد تفعيلة من المشرفين