مددت إلى التوديع كفاً ضعيفةً
وأخرى على الرمضاء فوق فؤادي

فلا كان هذا آخر العهد منكمو
ولا كان ذا التوديع آخر زادي

في يوم السبت  ١٦ / ١٢ / ١٤٣٧هـ وبعد ليلة سفرٍ استيقظت من نومي قبيل صلاة الظهر على خبر مفجع ومحزن مفاده أن الرجل الصالح والعم الكريم: سعيد بن صالح بن سعيد القرني انتقل إلى رحمة الله، ولا أخفيكم سراً أنني بقيت مذهولاً برهةً من الزمن لعدم استيعابي ذلك الخبر المؤلم.
لكن مع مرور الوقت وتتابع الاتصالات تأكد لي الأمر وصار الألم يتسلل إلى قلبي شيئاً فشيئاً حتى كاد أن يتقطع وجداً وحزناً على فراق العم الكريم فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وفي أثناء تلك اللحظات العصيبة بدأ شريط الذكريات يعود بي إلى سنوات ماضية كانت بداية معرفة بالراحل أكثر وأقرب، وذلك عندما تزوجت ابنته وهي بنت خالتي في ذات الأمر .
لقد كان نعم الرجل ديناً وخلقاً وكرماً وحلماً وصبراً، فقد تخلق بأخلاق حميدة واتصف بصفات نبيلة .

كان في شبابه مضرب المثل في صلابته وشجاعته وله في ذلك أخبار، ولما كبر وانتقل إلى مدينة ينبع بحكم العمل فيها، أصبح مأرز الكرم والجود لأفراد قبيلته ومن يأتيه زائراً، بل كانت هذه سجيته وهذا طبعه لكل من يلقاه.

ومع تقدمه في العمر وتعاقب السنين ألمت به أزمات صحية وأمراض منهكة، وكان مع ذلك صابرً محتسباً لا يشتكي لأحد إلا لربه ومولاه، ولا يظهر ضعفاً مع ما ألم به .

لقد كان حريصاً كل الحرص على صلاح أولاده ودلالتهم على الخير ومن ذلك حرصه على تعليمهم كتاب الله حفظاً وتلاوة، بل كان يلازمهم المسجد معلماً ومتابعاً ومراقبا.

وأما حاله مع الصلاة فيسر القارىء والسامع، فقد كان له في الصف الأول في المسجد مكان يعرفه جيرانه في الحي لايفارقه من سنوات حتى توفاه الله، وربما تنقل في بعض المساجد القريبة منه أحيانا، وإذا تكلم مع أحدنا في أمرٍ ثم أذن المؤذن قام مباشرة للوضوء والتهيؤ للصلاة ولو لم ينهي كلامه مع من يتحدث معه. 
كان رحمه الله مكثراً من النوافل والطاعات فلربما اعتمر في السنة الواحدة مراتٍ عدة مع حرصٍ شديد على قيام الليل وصلاة الضحى وقراءة القرآن وملازمة الأذكار.

لم يكن يبالي بالدنيا وزخرفها، فقد رضي أن يسكن في بيت متواضع طيلة حياته، فلم ينظر إلى الدنيا نظر مستكثر منها بل راحل عما قريب.
 كنت إذا زرته في بيته وجدت حسن الاستقبال وبشاشة المحيا وطلاقة الوجه  والكرم وحبه لسماع الموعظة والتذكير بالله.

إن مما تميز به الراحل كثرة الطاعات من صلاة وصيام وصدقة، إلى جانب زهده في الدنيا وصبره العظيم على أمراضه وآلامه المتعاقبة بل وعزة نفسه ! فلا يسأل العون إلا من ربه ولا يبحث عن مساعدة من أحد ولو كان أقرب الناس أليه.

وأحسب أنه ممن ختم له بخاتمة حسنة، فقد صلى الفجر في المسجد ذلك اليوم الذي توفاه الله فيه ثم جلس يذكر الله ويقرأ القرآن إلى وقت الإشراق ثم صلى الضحى ورجع إلى منزله وماهي إلا لحظات حتى توفاه الله فالحمد لله على كل حال.

رحمك الله أبا صالح، فقد تركت في نفسي ونفس كل محب لك أثراً عميقاً من الحب والذكر الحسن، وجمعنا بك في الفردوس الأعلى من الجنة آمين.

يا راحلاً وجميل الصبر يتبعه 
هل من سبيل إلى لقياك يتفق

ما أنصفتك دموعي وهي داميةٌ
ولا وفى لك قلبي وهو يحترق

كتبه / علي بن سعيّد بن حزمي القرني
٢٣ / ١٢ / ١٤٣٧هـ

أقرأ أيضا

عدد التعليقات 4

أترك لنا تعليق

يتم عرض التعليق بعد تفعيلة من المشرفين