من منّا لم يذق علقم الفقد وتجرّع مرارة الفراق؟
من منّا لم تغشاه لوعة وداع ولم تُسكب عبراته الحرّى؟
لا أظن أحداً وعلى الأقل أنتم أيها القرّاء الكرام إلا وأتى عليه قدر الله ففقد أمّاً حنوناً أوأباً كادحاً أو زوجاً حبيباً أو أخاً عزيزاً أو ابناً باراً صالحاً أو..

وهنا أستأذن أوقاتكم الثمينة لأحدثكم عن أخي عبدالله ، عنه كأبي في اهتمامه وعنايته ، وكأمي في عطفها ورحمتها..

أحدثكم عن (بو دبيب) كما يحلو لبعض أصدقاءه تسميته ، أحدثكم عن (بو متعب) حين يناديه أشياخنا لطلب فزعته وخدماته ، أحدثكم عن رجل يعاني أمراض القلب والشرايين والسكر والضغط وما فارقت البسمة شفتاه ، أحدثكم عمن خلّف ابن يعاني ضعف السمع وطفلين توحّديين وروح الفكاهة والطرفة لها مهندساً.

عامين على فقدك أخي ، هي بالفعل سبعمائة وثلاثون ليلة ألم ، ففي مساء يوم الاثنين الموافق 23/6/1436 وعند قرابة العاشرة كانت فاجعتي بك ، بقيتَ حتى فجر الثلاثاء تصارع الموت على قارعة الطريق. أتعلم يا أخي أنّ حزني على فراقك في كفّة ميزان ، وكفّته الأخرى حزن على بقاءك لعشر ساعات تتألم وتتألم.
أخايلك تمدّ يديك دون جدوى بحثاً عن هاتفك طالباً النجدة ، صورتك أمامي وأنت تتمنى قُبلة لأمي لأبي لأبناءك ، أمامي أنت الآن والدم يسيل وصوت أنينك والبكاء يعلو من ألم الحادث ، كل ما دار بك أراه فأبكيك وأبكيك. غير أني أحمد الله لك على الرحيل فما عاد لوجعك بعد الرحيل مكان ، لقد فقدتك في ذلك اليوم وأنا الذي لم ينساك يوماً.

أبا متعب..
الكتابة لك وعنك في هذا الظرف جدُّ قاسية ، كيف لا وعيناك لن ترى ما كتبت ، أجدني الآن عاجزاً عن التعبير ويَداي أصابتها الرعشة ، لم أعد أبصر ما سطَّرْته من غيمة دمع ملأت عيناي ، وعزائي أن حديث القلب للقلب يسري.

آآه يا أخي..
لقد تركت لي فراغاً لا يُملى ، قواي فيه خارت وصارت فيه النفس محتارة ، بل أن حياتي كلها أصبحت في فتور شديد .. فراغك الذي خلّفت لن يملأه إلا صدق كصدقك وطُهر كطهرك وحُب كحبك. مُرٌّ رحيلك يا أخي وأي مرّ ، لك نفسي تاقت  ولدعابتك وبسمتك حنّت ، حتى لصراخك والعتاب ، لقد كُشف أمري يا أخي وذاع ، بداخلي لك حب وحاجة ورغبة وامتلاء.
يا راحِلاً وَجَميلُ الصَّبْرِ يَتْبَعُهُ
                            هَلْ من سبيلٍ إلى لُقْياكَ يَتَّفِق

ما أنصَفَتْكَ جُفوني وهيَ دامِيَةٌ
                                   ولا وَفى لكَ قلبي وهو يحترِقُ

أُخيّ..
يا نبض فؤادي ويا دمّاً يسري في شراييني ، ألا زلت تذكرني؟
لا زلت أذكر ملامحك ، فهل تذكر ملامحي؟
عندما أزورك وآتيك ، هل تشعر بي وبأنّاتي؟
أفتقدك ياعبدالله والله إني افتقدتك...
 
عبدالله..
الأهل والصحب والأرحام والعمّال وكل من عرفك لن ينسَ الجميع روحك الطيبة وجميلك المتواصل ، وحُسن صحبتك وسيرتك والسريرة ، لن ينسو تواضعك وحنانك فأنت من ترتاح له قلوبهم والمجالس ، وأنت من تنفتح لرؤيته نفوسهم ، حين أسمعهم يتحدثون عنك يزول بعض ألمي ، وعندها أبكيك يا أخي وأفخر حين أبكيك.
بكيتك حتى كـدت بالـدمع أشرق ** وروحـي من بين الجـوانـح تـزهق
ففقـدك أذوى في الحياة شبابها ** وكنت لهــا زهوا بـــه يــــترقــرق
رفعنا بك الأعناق في كـل بلـدة ** فقد عشت رمـزا بالمفـاخـر ينطـق
وكنت لنا العنوان في كـل مسلك ** معـالمـه رأي وخـلــق ومــوثـــق

ختاماً يا أخي..
سيبقى الدعاء حبل الوصال في الخفاء ، وستبقى أنت أنت في ذاكرتي متربعاً لا تزول ، كان لقيانا قَدَرْ وصار  فراقنا قَدَرْ ، وسأُسلّي نفسي بقول الحبيب صلى الله عليه وسلم:(اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها).
وأكرر ما قلته قبل عام في ذكرى وفاتك الأولى: ((نَمْ في سلام وأمان ، فوالله إني على العهد باقٍ وفيه ماضٍ ، ووحده الله المُيسّر والمعين)).

اللهم ارحم ميتاً ما زال في قلوبنا حياً.
اللهم وأنزله منازل الشهداء،واجعل الفردوس مُقامه.
اللهم أنزل على قبره الضياء والنور،والفسحة والسرور. اللهم قِهِ السيئات (ومن تق السيئات يومئذٍ فقد رحمته).
‏نعوذ بالله من فقدان الصبر.
اللهم صبراً و ثباتاً.

والسلام على روحك الطاهرة يا عبدالله ورحمة الله وبركاته

أقرأ أيضا

عدد التعليقات 17

أترك لنا تعليق

يتم عرض التعليق بعد تفعيلة من المشرفين