جمعية التحفيظ ببلقرن
لا ..... علمني .....
القهوة البيشية الفاخرة

لا ..... علمني .....

عبدالله عوض القرني : ليس بمقدور الإنسان أياً كان ذكاءه أو حدسه أو براعة إدراكه أن يتعرف أو يعرف أحداث مستقبله ويحددها بشكل دقيق بنفس الدرجة التي يفعلها حين تصبح تلك الأحداث ورقة في ملفات ماضيه  .
أسوق هذه المقدمة في محاولة لقراءة تلك التجربة الشعبية الجماهيرية التي وقع في غمارها  (العم علي بن كرمان) دون تخطيط مسبق ولا استعداد مقصود ، نحن إذن أمام حالة فريدة وطريفة في الوقت نفسه مع وسائل "السوشل ميديا" مالئة الدنيا وشاغلة الناس ؛ففي لحظة من لحظات عُمْر العم "علي " المُرَّة وفي شأنٍ من شؤون حياته البسيطة جدا دخل في مكالمة هاتفية عبر جوّاله المتواضع حيث كان يجلس  في المرتبة الثانية من سيارة "الوانيت" تلك  أو ما شابهها وهي مكالمةٌ عفويةٌ كصاحبها بالفعل ! إذ كان يتحدث فيها إلى مسؤولٍ  ما يطلب فيها السماح لأحد معارفه لدى ذلك المسؤول رخصةً أو إجازةً ليومٍ أو يومين  ، وكعادة المسؤول في مثل هذا  الموقف حين يكون بين مطرقة النظام  واللوائح ، وسندان العلاقات الإنسانية ؛ تردّد ومارس الغموض الدبلوماسي دون أن يقطع عهداً ، أو يلتزم موقفاً حيال طلب العم "علي " بل أبقاه في المنطقة الرماديّة ! تلك المنطقة التي يعتقد الكثير من البشر أنها منطقة الأمان في علاقاتنا الإنسانية ، ومواقفنا اليومية ، هي في نظر البعض مخرجٌ إيجابيّ من حرج الموقف ، ولكنها في الواقع ليست سوى منطقة تعليقٍ  في الهواء ،منطقةٌ لانهائية ،منطقة لاتُفْضي إلى حلّ محدد ، ولا تعطي نتيجةً منطقيةً واضحةَ  المعالم ، فمالذي   تميّز به العم  " علي " في تعامله مع هذا الموقف الرّمادي الذي وضعه فيه ذلك المسؤول أو الطرف المقابل ؟  في الواقع أنه  لم يفعل سوى ممارسة العفوية الصادقة ، لقد طلب  حلاً واضحاً وصريحاً ، وموقفاً جليّا لا تشوبه شائبةُ  الهروب أوضبابيةُ  التعليق ، طلب الشفافيّة  التي يعتمد عليها لتطمئنّ نفسهُ ويقطع شكَّه  بيقينه ، هذا هو السر الحقيقي الذي جعل الناس يتعلقون بهذه "اللزمة" الملفوظة في محادثةٍ هاتفيةٍ  تكاد تكون نمطية الحوار والطلب ، لكن حالة  "علي بن كرمان "  لم تقف عند حدوده المتواضعة  زماناً ومكاناً وحالاً فقط ، بل التقطتها  كاميرة "السوشل ميديا" لتجعل منها شرارة تنتشر انتشار النار في الهشيم ! انطلقت هذه الجملة الموغلة في الشعبية والمحلية لابسةً ثوب الطرافة ومتوشحة بالتلقائية والعفوية،  من مُسنّ فعل به الزمن أفاعيله ؛ لتندمج هذه الحالة كلها مع حالة تعاطفٍ  شعبي وتفاعل  " مونتاجي " مع هذه الجملة القصيرة ،  لتكون في حالة مزاوجة وتركيب  آلي مع  كل حدث يوميّ مشابهٍ  وما  أكثرها في حياتنا اليوميّة ، واشتهر العم "علي " وطبقت جملته  القصيرة الآفاق ، وسار بها الركبان  ؛ ليجد نفسه دون أن يدري تحت بقعةِ ضوءٍ ساطعةٍ جدا ، تماما كشخصية بطل على مسرح جماهيري  لكنه بلا مخرج ولا نَصّ ولا بروفات ، وفي فترةٍ وجيزةٍ من سنوات عمره المرير عاش العم علي مفارقةً مذهلة  ، لا أظن عقله يستوعب حقيقتها ولا أبعادها ولا أظن مداركه وخبرته المعرفية تستوعب نتائج  حدثها ، سوى أنه انتقل من حالة المجهول إلى المعلوم  ومن مرارة الفقر إلى حالة من الترف السريع  ، ومن فراغ الوقت إلى ازدحام الروزنامة اليوميّة ، حالة انتقالية لم تدر في خلده أبدا ، إنه ذلك القدر الغيبي الذي ذكرته في أول مقالي هذا ، فلم يخطر ببال العم "علي" وهو يلحّ ويستجدي ذلك المسؤول في لحظة عابرة من يوم شديد الحر ؛ أنه سيُصبِح اسما مطلوباً في عالم الدعاية والإعلان والإشهار ! ولم يخطر ببال ذلك المنسي أن يصبح هو نفسه المزدحم بطلبات التصوير " والسلفي " فمالذي صنع هذه الحالة الفريدة طرافة وشهرة  وتناقضاً؟  هل هو جزاء رباني إزاء تلك الشفاعة التي سعى فيها لصاحبه لدى ذلك المسؤول ؟ أم أن  تلك الشهرة صنعتها مناسبة الجملة  نفسها وموائمتها  للكثير من مواقفنا اليومية ؟ أم أنها حالة من الفراغ الفكري والترقب المجتمعي لمثل هذه الحالة للانشغال بها أو لشغل هذا الفراغ ؟ أم  هي حالة اجتماعية ملحّة للطرافة  والمُلح لمواجهة أعباء حياةٍ  تنوءُ بالهمّ والكدر ؟ يطول السؤال  والتساؤل ...و يظل العم " علي بن كرمان "  يعيش  مرحلة  التناقض العجيب  بين ما ألِفه طوال عقود عمره التي انصرمت   ، وبين ما ينتظره الآن من صفقة إعلانية جديدة !! إنها الأقدار ولا شيء غيرها ...


عبدالله عوض القرني
تاريخ الإضافة:22/12/2018 مرات المشاهدة:1496 التعليقات:10

التعليقات

  • 7
    بواسطة : قارئ
    بتاريخ : 26/12/2018
    مقالة مبدعة وبليغة 👌🏻
    كعادتك موفق بانتقاء الكلمات .. استمتعنا ،شكراً
  • 6
    بواسطة : algarni
    بتاريخ : 26/12/2018
    اسلوب الربط ممتاز جدا .
  • 5
    بواسطة : كلمه حق
    بتاريخ : 24/12/2018
    لا علمني وش تقصد من المقال 🤣🤣🤣
  • 4
    بواسطة : حور
    بتاريخ : 23/12/2018
    اسلوب جميل وطرح اجمل 👍🏻
  • 3
    بواسطة : مرعي صقر
    بتاريخ : 23/12/2018
    لقد وفقت أخي العزيز الأستاذ القدير / عبدالله عوض ،، مقال أدبي يستحق الإعجاب والإشادة ،، وفقك الله وسددك ..
  • 2
    بواسطة : معيض بن عبدالله الحارثي القرني
    بتاريخ : 23/12/2018
    مقال جميل وتساؤلات نابعة من شعور مجتمعي بحت
    احسنت النشر بارك الله فيك
  • 1
    بواسطة : قاريء
    بتاريخ : 23/12/2018
    ماشاء الله تبارك الله
    خيال واسع
    وفكر منمق
    واسقاطات موفقه ...!
    كل ذلك انتج هذا القطعة الادبية من باب ( السهل الممتنع )
    وفقك الله وسددك يا ابا عبدالاله