نشأ هذا الصبي القروي ابن شيخ القبيلة عاشقاً (للقراءة) من صغره؛ فكانت (مفتاح) نجاحه في هذه الحياة، وهو يتجاوز حدود قريته (آل شريحٍ) في آل سليمان بمحافظة بلقرن جنوب السعودية قبل خمسين عاما،ليواصل دراسته في معهد الرياض العلمي، ثم في جامعة الإمام محمد بن سعود بأبها، وتتحول قصته مع النجاح إلى رحلتين متاوزيتين أحدهما مع القراءة والانغماس في عالم (أمهات) الكتب الشرعية و التاريخية و الأدبية وطلب العلم ونيل الشهادات العليا. 

و الأخرى مع (الدعوة) و (الشهرة) و انتسابه للناجحين المؤثرين على مستوى العالم بعد ألاف (الأعمال) تأليفاً و شعرا و خطبا و(تغريدا) !

هل كان علي أن أقول (وحروبا) أيضا ؟

نعم فقد خاض (القرني) الذي صار اسمه يكفيه عن لقب (المشيخة) و (الدكتوراة) عدة حروب كان أولها انتصاره للوقت!

فقد ترك ما كان يغري أقرانه منذ شبابه من ملذاته، و أقبل على قراءة السير و المعاجم، و حتى الدواوين و التراجم، ورُوي أن الدكتور عايض القرني لم يكن يشاهد في شبابه دون كتاب في يده راكبا أو ماشيا أو آكلا أو شاربا أو راقدا!

هذه كانت حربه الأولى التي انتصر فيها على نفسه للكتاب و للقراءة؛ فناصرته و آزرته طوال حياته، و قدمته إلى المنابر و المسارح و الشاشات والمدرجات(لمشاهدة محاضراته)، ومنصات وسائل التواصل، و أغدقت عليه بشهرة لم يطلبها، و لم يكرهها عندما شعر أنها ستكون طريقا لنشر التوحيد الخالص، و الدين الوسطي، و صورة المسلم المتفائل. 

و أنجبت له ثمانين ابنا (أشهرهم) طُبع أكثر من ١٠ ملايين نسخة، و(آخرهم) يكاد يذهب بريقه بالأبصار !

وأمّا حروبه الأخرى؛ و قد سماها في أول حربٍ : (الابتلاء) إذ جرت الأقدار بما صار له في (أبها)، و تحول الإعجاب الذي حصده بعد عشرات المحاضرات حينها إلى حب و نصرة و انتصار من متابعين بالملايين قبل ثلاثين عاما، لم يكن يعرفون إلا صوته في أشرطة الكاسيت معجبين بفصاحته و بلاغته و استشهاداته و شجاعته !

ثم كان (الرحيل) الذي غير حياته عن مسجد (الصديق) في أبها نحو (الرياض) الشاسعة، ولك أن تتخيل ماذا يفكر فيه هذا الشاب حينها!

 و كيف زادت (الأحداث) كما يقول نقاد السينما (الحركة و الإثارة) لقصته مع النجاح و الشهرة حتى لو تعرض (البطل) لمزيدٍ من المعاناة !

و في سنوات بسيطة بين إيقاف عن الكتابة والدعوة، و سجن و تحقيق ، و حصوله على شهادات علمية في الماجستير و الدكتوراة بدأت مرحلة تهذيب الأفكار و توجيه الجهد، واستثمار الوقت والحياة، لكن حروب (الابتلاء) لم تكن قد انتهت، وقرر (الشيخ) (القرار الأخير) معلنا في (قصيدة) حزينة طويلة التوقف عن الدعوة والظهور، عاتباً ومقهورا من قلة العدل؛ حتى ممن اعتبره قريبا وصديقا ومحباً ورفيقا! 

غير مئات المنتفعين و محاربي فقه الواقع! فمنّ الله عليه بعام فيه (يغاث القلب وفيه يعصرون) هدأت فيه نفسه و راجع مسيرته و أفكاره؛ ثم تراجع تراجع الأقوياء واستجاب لطلب أهل المكانة العظماء؛ وانطلق انطلاق الشرفاء النبلاء غاضا الطرف عن كل سهم ورمح يرى أثره في نفسه، ولم يقل تكسرت النصالُ على النصالِ، بل صال وجال، وأفلح و صدق، و خط له خطاً مستقيما تاركا خلفه كل الحسابات الخاسرة . 

و فتح له حسابا مع سيرة نبيه صلى الله عليه وسلم، متعففا عن الحديث في ألغاز السياسة و بهارج الساسة وبريق الفتيا و مناصب الدنيا، متسلحاً بالآية والحديث و بالكلام الحلو الصحيح، في ابتسام وتفاؤل، جاداً حينا و مداعبا أحبته حينا، يبكي و يُبكي، ثم يضحك و يُضحك، حتى تسمع صهيل الابتسام في ثنايا المدرجات والمسارح والمساجد، مداويا قلب كل مهموم، و معالجا جرح كل جريح بالكلمة الطيبة يقدمها في باقة ورد معطرة بحديث المصطفى و آي الإله الكريم الرحيم، لتستجيب لها القلوب، ولتفد عليه الملايين متابعةً وحبا!

وليست ملايين الدراهم و الدنانير و الريالات، بل ملايين المحبين المتابعين لتغريداته و ومضاته، و أحاديثه وقفشاته وتلميحاته، و برامجه ولقاءاته؛ فصار في عشر سنوات ــ من تجارته الأخيرة مع حساب صغير لايتجاوز رأس ماله فيه أقل من مائتي حرف ــ من كبار المليونيرات يعرفه من في شرق بلاد العرب و غربها وربما وُجد له في بلاد الأعاجم متابعين و تراجم!

بل عندما حاولت يد الفتنة و الإجرام في (الفلبين) إطفاء الشمعة التي يوقدها لتقرأ البشرية حديث سيدها و آي ربه الكريم في ليلة سوداء ؛ سلمه الله من (الابتلاء) والرصاص، وجعل العادل سبحانه القصاص زيادة حب و قبول و شهرة! وتحولت الشمعة إلى شمس شارقة والله متم نوره ولو كره الكافرون، حتى ضجت جميع وسائل الإعلام في العالم بخبره!

نعم لقد صار ابن القرية الذي تعلق قلبه بالقراءة و العلم مليونيرا مشهورا ينافس (المشهورين) في حسابه عشرون مليونا يشهد له أكثرهم شهادة حق أمام ربه؛ بأنه بلّغ الحديث و ذكّر بالآية و نصر السنة، مبتعدا عن نقد الأشخاص و استغلال الوقائع، منصفا و متصفا بالتواضع والبساطة و مخاطبة الأرواح متغافلا عن كل تجريح، أو عدو صريح، شجاعا في الاعتراف بالأخطاء و الاعتذار على الملأ حتى لو أثُخنت الجراح و كثر الصياح عند نقد (صحوة) و التنبيه عن (غفوة) !!

و قد (ألهمه) الله وقد وصل الستين ــ  ستين الحكمة و وقار الشباب و نضوج الأفكار ــ  أن يُهدي (البشرية) جمعاء سِفر الحب والعطاء و الرحمة و الصفاء عن سيد الأنبياء و أسماه (مُلهم العالم)، فهل كانت (العشرون مليونا) أول البركات و خير الهدايا و أجمل العطايا؟ 

لرجل جاهد طوال عمره ليكون مسلما صالحا يؤدي واجباته تجاه نفسه و مجتمعه و ملايين المسلمين حول (العالم) ؟

بل إنه بكل بساطة وتواضع يوضح لهولاء(الملايين) ويعترف أن هذا ليس ذكاء ًمنه و لافهما و لا معرفة، و إنما هو توفيق المسدد سبحانه!

وبعد شكر الله شكر من أحسنوا الظن به! 

و كأني بالمتابع الحكيم يعرف نتائج المعادلة، فهذا (الرجل) متعدد المواهب محبوب الصفات يزدادُ شكراً لله ومحبةً له ولرسوله؛ فتزداد الملايين في حسابه! 

ولئن شكرتم لأزيدنكم في الدنيا، وفي الآخرة تتضاعف الحسنات! 

فياله من (مؤثر) و (تاجر) بضاعته (الكلمة الحسنة) لايحيد عن هذه التجارة الرابحة، يوصي فيها بمعرفة التوحيد الخالص وتمثله، و ينشر الحديث والآية، مذكرا و داعيا لمعرفة حقيقة (الحياة) مهما بلغ من يعيشها من (رفعة) في الدنيا جاء بها منصب أو مال! 

ورغم أن (الشيخ) يقول في تواضع لايتكلفه (أن هذه الملايين ربما كانت ابتلاءً و امتحانا، و سيسألنا الله عما قلنا وكتبنا و سجلنا) ، فإنه لايمكن حتى للخصوم إلا الاعتراف بنجاحه منذ أول (ابتلاء) حتى آخر (إنجاز) و (إلهام) ! 

ختاما فالعقلاء يعرفون أن الشهرة ليست معادلا للنجاح و لا للسعادة فكم من شقي فاشل في حياته و في مستقبله الحقيقي ويحسده الناس على شهرته! 

أما (الشيخ) فنال القبول و المحبة و النجاح والشهرة لأنه قال (لا تحزن) و كتب عن (السعادة) و أوصى بالصبر والتفاؤل والحب! 

ربما لأنه منذ صغره عاش بقلب لايعرف إلا الحب مع أبوين مباركين ربياه خير تربية، فنشأ مع القرآن والأذكار، والصلاة والمسجد، ولم ترغب روحه باللعب والملاعب، و الصخب والملاهي، و مغريات الشباب، و استثمر شبابه في مجالسة (الذهبي) و (ابن كثير) و (ابن حزم) و (الفراهيدي) و (الجاحظ) و (التوحيدي) و (المتنبي) و(ابن حنبل) و (ابن تيمية) و(البخاري) و (مسلم)! 

وعرف منهم و من اتّباعِه لسيرة النبي الأكرم، واقتدائه به عليه السلام؛ أن السعادة والنجاح مرتبطان بـ (العمل) و(العلم) الصالح و جعل مفتاح هذا كله (اقرأ) ! 


بقلم إبراهيم عواض الشمراني

أقرأ أيضا

عدد التعليقات كن أول المُعلقين

أترك لنا تعليق

يتم عرض التعليق بعد تفعيلة من المشرفين