كثير منا يجلس في مجالس ، وكثير منا يحضر مناسبات عامة وخاصه ، وكثير منا يسمع مقابلات ومناظرات ، وكثير منا يحضر إجتماعات رسميه وما دون ذلك ، فيسمع خلال كل ما ذكر احاديث وتنظير وفلسفه ، فيتردد على مسمعك كلمات مثل : العمل ، الأنتاج ، القيم ، الأخلاقيات ، التعليم ، النظام ، الفساد ، الأنتماء ، الإصلاح ، التطور والتطوير ، وغير  
ذلك من الكلمات الرنانه . 

حينها اطلب نفسي السماح لي بالأجتماع معها في خلوه لعلي اجد لديها جواباً شافياً لهذا السؤال : طالما نحن علماء ونقاد وفقهاء وأصحاب فكر وأصحاب فتاوي وفاهمين كل شي ، فأين تكمن المشكله ؟ ولماذا نحن غير قادرين على إصلاح أمرنا ؟ واثناء عرضي هذا السؤال على نفسي أتذكر حكاية الأمام مالك أبن دينار عندما صعد يوم جمعه على المنبر وخطب في الناس خطبة تفاعلوا معها وتجاوبوا وبكوا وتباكوا وبعد نزوله من المنبر صلى بالناس وعندما فرض من الصلاة التفت يمينه ويساره يبحث عن مصحفه فلم يجده فوقف ابن دينار يخطب الناس (( ويحكم كلكم يبكي ، فمن سرق المصحف )) 

عموماً جاوبتني نفسي ان السبب في ما نحن فيه هو ان كل شخص منا يتهم الاخر ، ويشكك في ذمة الاخر ، وينتقد الاخر ، ويوعض الاخر ، وكان الاجدر ان كل واحد منا يتهم نفسه وينتقد نفسه ويحاسب نفسه ولن تجد واحداً منا صغيراً كان او كبيراً يعض نفسه او يحاربها ويردعها
وهذا مع الاسف هي الحلقه المفقوده التي توصلت إليها بعد الخلوه مع نفسي .
رغم ان عدد سكان هذه البلاد تجاوز عشرين مليون نسمه تقريباً ، أي أن لدينا عشرين مليون عقل ، أي انا لدينا عشرين مليون جوز أيادي ، أي انا لدينا عشرين مليون جوز أرجل ، ومع كل هذا لا زلنا نعاني من كل شي ، نعاني في العلم والعمل والصحه والتجاره والمشاريع وفي كل شي . فلو ان كل هذه العقول والأيادي والأرجل نبذة الكسل والاتكال على الاخر وتحمسة وفكرة وعملة لما أستمرة معاناتنا ولوجدت بلادنا جنة الله في أرضه . 

نعم ، لدينا مقومات التطور والتطوير ، لدينا البترول ، لدينا الحديد ، لدينا الذهب والفضه ، لدينا اليورانيم ، لدينا الفوسفات ، لدينا الأبار الجوفيه ، والاهم لدينا الشباب ، والشباب يعني السواعد ، يعني الهمم ، الرجوله ، يعني أكتشاف الافق .
لو فكر احدنا من بناء امريكا التي تتسيد العالم ؟ فأمريكا وكما هو معروف لم تبنيها حكومه ، بل بناها فكر افراد وشركات ، فحفرت الارض وأخرجت البترول والكنوز والثروات والمعادن ووصلت بها الى تسيد العالم ، كل هذا بالفكر والجد والاجتهاد ، 
ولو فكرنا ايضاً في دوله مثل اليابان التي سجلت معجزه خرافيه بكل ما تعني الكلمه من معنى ، فالكل يعلم أن اليابان تعرضت لهزيمه قاسيه ، خراب أقتصادي ، دمار ذري ، الإ أنها أستطاعت خلال خمسين عام فقط
تحويل هزيمتها الى معجزه حيرة العالم كله ، اخترعت ، وابتكرت ، وانتجت بغزاره غمرة كل العالم بمنتجاتها وبجوده عاليه في جميع المجالات ، فتجد الوفره في الشارع الياباني في كل شيء ، من ملابس واكل وشرب وجميع ما يحتاجه الشعب الياباني في شتى المجالات ، مع ان دولة اليابان دوله تستورد النفط والحديد وجميع خامات التصنيع من الخارج . 
اذاً كيف استطاعة اليابان النهوض مجدداً ، وكيف حصل كل هذا التطور من الصفر ؟ 
السبب ببساطه هو : الفن الإداري ، النظام ، الأمانه العلميه والعمليه ، والاهم هو التخلص من الأنا ، وهذا ما نحتاج إليه ولم يفقهه المنظرون لدينا وفي العالم العربي . 
ان معجزة اليابان كان ورائها اسباب مهمه جعلتهم سريعي التطور والتطوير ، كانت حياتهم إجتماعيه ، الروح لديهم جماعيه ، القرار جماعي ، العمل جماعي ، فقد تخلصوا من الآنا التي يعاني منها الاخرون ،
واهم اسباب نجاح اليابانيين هو حبهم للعمل وتقديسهم له ، فالعقليه اليابانيه تقدس العمل خلاف العقليه الغربيه التي تعتبر العمل عقاب من الله على الخطيئه الاولى لأبونا آدم عليه السلام عندما عصى ربه فأنزله الى الأرض وعوقب أبنائه بالشقاء والكدح . 
اما اليابانيين فليس لديهم مثل هذه العقليه على الأطلاق ، فالعمل لديهم ليس خطيئه او عقاب وإنما هو لذة ، فرحه ، نشوة ، شرف ، وأجب ، العمل لدى اليابانيين مجموعه ، نجاح ، نظام ، حب وطن ، العمل لدى اليابانيين يعني محاربة شهوات النفوس ، قمع أهواء شخصيه ، جهاد نفس ، الخروج بالنفس البشريه الاماره بالسوء والالتقاء مع الكل .
وفي تعاليم ديننا الاسلامي الخنيف تجد حثنا على العلم والعمل في مواضع كثير من القران والسنه النبويه الكريمه ، 
قال تعالى (( وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ))  [البقرة: 25]. وقال تعالى (( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ )) 
والكثير من الايات التي تحث على العمل . وعن المِقدامِ بن معدي كرب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكُل من عمل يديه، وإن نبي الله داود صلى الله عليه وسلم كان يأكل من عمل يده)) رواه البخاري.
العمل عباده
أعلى الإسلام من شأن العمل بل جعله إذا اقترن بالنية الصالحة يخرج من حيز العادات ليكون عبادة لله رب العالمين. 
إن الاسلام لا يفرق بين عبادة خالصة كالصلاة وبين عمل للحياة وكسب العيش من حيث تقرير ثواب عليه فكل عمل طيب متقن يقوم به إنسان سواء كان خاصا بالعبادة الخالصة أم كان عبادة عن طريق كسب العيش وإثراء الحياة بالإنتاج .. يضع الله النتائج الطبيعية له فى الدنيا ويضع أمامنا الجزاء عليه فى الآخرة كحافز يحمل الإنسان على إجادة عمله وإتقانه مهما يكن نوع هذا العمل.

ومما سبق ذكره نستطيع القول ان الخلل لدينا هو افتقادنا الى الروح الجماعيه وان كل شخص منا يفكر لوحده ويتصور ويظن انه امه مستقله فكراً وعقلاً وعملاً ، كما نفتقد الى النظام وحبه والترتيب والانضباط في كل امور حياتنا مما جعل الفوضى والعشوائيه في شتى امور حياتنا . 

وقفه : 
ذكر الدكتور غازي القصيبي رحمه الله في كتابه ( حياة في الأداره ) إذا كنت تريد النجاح فثمنه الوحيد سنوات طويله من الفكر والعرق والدموع . 

 

أقرأ أيضا

عدد التعليقات 4

أترك لنا تعليق

يتم عرض التعليق بعد تفعيلة من المشرفين