مشاعر تدعو للبهجة أن تحزم أمتعة ذهنك قبل أمتعة ملابسك، ويتهيأ عقلك قبل أن يتهيأ بدنك للسفر ..
وأكثر ما يجعل هرمون البهجة في أوّج حالاته أن يكون السفر لـ تغذية الروح ولـ سياحة العقل ولـ إلتهام أقراص من المضاد الحيوي للإلتهابات الفكرية !

ولذا قررت كـ غيري زيارة معرض الكتاب الدولي بالرياض لعلها تفك قيد النفس التواقة التي ما زالت رهينة في سجون الإحتلال الإلكتروني وإن كان هناك صوت داخلي يهمس لي أنها بدعوى الإتيكيت الثقافي لكني تجاهلته (:

المهم وصلنا بعد العصر وقد أُغلقت أبوابه الخارجية لعدم وجود مواقف كافية بالداخل، فـ أوقفنا السيارة بالخارج ودخلنا مع هذه الحشود الغير بريئة ):
في الحقيقة تجاهلنا مناظر كثير مستهجنة وغير مألوفة ولكن علامات الإستفهام تتضخم!!
وما إن وصلنا للمدخل الرئيسي صادفنا ثلاث فتيات منقبات خارجات من المعرض وقهقهاتهن عالية ، تقدمت إحداهن وأخرجت هاتفها وأخذت تلك (السنابة) عالطاير هممت أن (أجيب العيد) لكن الله سلّم، لم تكن مسكرة (لانكستر) وظِل (شانيل) التي يضعونها ملفتة وليست القهقات أيضًا ملفتة ولا التصوير كذلك، الملفت أنهن لا يحملِّن كتابًا واحدًا !! فـ لماذا أتوا ؟!
غضضنا الطرف كالعادة والتساؤلات تتزاحم..
دخلنا وقابلنا أحد الكرام وسادة الحرف وتناولنا أطراف الحديث الممتع على كأس اسبريسو (بدون سكر) في ركن خُصص للجائعين جدًا وكأننا في منتزة عائلي أو في قسم المطاعم لأحد (المولات) الصاخبة؛ وبعد تودعيه بدأت رحلة البحث عن كتاب !
وبينما كنت منهمكًا بـ تقليب صفحات كتاب تربوي في أحد الدور، كنت أسترق السمع لإحداهن وهي تقرأ كلامًا عن (الحب) خلفي تمامًا على غيرها لفت عُنقي الفضول بعدما لاحظ أن القراءة استرسلت؛ وإذ بها فتاة عشرينية حجابها لم يُخفي إلا الشيء القليل من شَعْرِها تقرأ على والدتها الخمسينية المحتشمة وشقيقتها التي لم تختلف كثيرًا عنها !
تساءلت:
أيعقل أن يهدأ لها بالًا من تتحلى بالحشمة وفلذات كبدها متبرّجات حتى النخاع ولم يهتز لها رمش؟!
لممت ما اقتنيت وانتقلت بعدها إلى أحد الأندية الأدبية أبحث عن مجموعة قصصية لأحد مهندسيّ الكلمة وأثناء مسؤول الركن، دخلت علينا أربعينية متلثّمة وترتدي نظارة فارهة لا يرتدون العجايز في العادة ..
وقالت: السلام عليكم
قال : عليكم السلام
قالت: اشبك أ/ ....... ما عرفتني ؟!
قال: اااامممم
قالت: معك الدكتورة ....... ؛ بس أول كنت متغطية شكلك نسيتني!
قال: أووووه يالله حيها .. إعذريني ما عرفتك ☺️ ثم إلتفت ويبدو أنه (ضيّع) وقال لي شكل النُسخ إنتهت ..
طلعت مستغرب:
سبحان الله كان يعرفها وهي متغطية ولا عرفها باللثمة ؟!!
منصة التوقيعات لم تكن بعيدة يلّتف حولها كمًا هائلاً من المعجبات عليّهِن ٣٠ كيلوغرام من مساحيق الطحين الممزوج بألوان قوس قزح ولديهم (شنبات) فوق أعينهم وليست حواجب، ويحملّن باقات من الورد بجانب هواتفهم تأهبًا للفلاشات بعدما يوّقع لهن ذلك (الأطخم) على كتابه المشرئب بالسواد في حفاوة لم يحضى بها والديهم أو أشقائهن، وفي الجهة الأخرى تجلس تلك (الردوم) التي ترتدي عباية على مديل (فستان سهرة) وتضع مناكير (كلارنس) ذات اللون الموفي الفاقع لـ يناسب غلاف الكتاب وفي يديها 13 خاتم وتخربش في الصفحة الأولى لـ 50 خروف !
الإنسان السوي يحمد الله إنه إلتحق بركاب الزواج مبكرًا ولم يرى هذه (الشواكيش) كي لا يلغي الفكرة من رأسه ..
حقيقة لا أريد أسترسل ؛ ولا أريد أن أنقل هذه السوداوية لكن ما رأيناه مؤلم جدًا ..
مؤلم أن نعتقد أن الرُقي والثقافة تتناسب طرديًا مع العفة والحشمة ..
مؤلم أن تكون الشريحة المثقفة هي التي رأيناها في معرض (الإستعراض) الدولي ..
مؤلم أن تعتقد الفتاة أنها ستكون (فلتة) وملفتة إذا تخلّت عن جلبابها !!
بل الأكثر ألمًا أنها لم تعلم بعد أنها من أسباب كساد الزواج الذي عمّ أرجاء البلاء وأنها أسوى دعاية على الإنتاج المحلي ..
مؤلم جدًا أن يعلو الغبار أُمهات الكتب وتُباع جميع نُسخ روايات رجال في (المشخال) ونساء في (البطيخ) ..
مؤلم أن تتهافت الناس للتوقيع على كتابٍ مؤلفه لم يُكمل تطعيماته في مستوصف الحي وتترك كتب العقلاء الأدباء ..
مؤلم أن تُغيّب دور الوعي والثقافة وتُشرع الأبواب لدور الروايات والطبخ و(القُبعي) !
مؤلم أن تُمنع كتب المصلحين وأسياد الفكر وتُنصب المنصات لـ قادة البرستيج وعشاق الفلاشات ..

أخيرًا:
معرض الكتاب ظاهرة حضارية وبارقة ثقافية ومصرف دولي لإستثمار العقول؛ ومن ينكر هذا فهو مجحف ؛ لكن المخجل جدًا حتى الوجع أننا جعلنا أنصاف المثقفين وأطفال الروايات وعارضات الأزياء يتصدّرونه ويختطفوا أنواره حتى جعلوه باهت وممل فإن بقي كذلك فلـ يُلغى فلسنا بحاجة لـ أن يُنشر غسيلنا وتُكشف سوءاتنا على الملأ ..


خارج النص:

" يآقف الفاضل تحت لوحة مرور الأفضلية
وتعبر الفوضى مع جسر التحاشي والتغاضي

والأنانية وحب الذات سوّت فوضوية
في طلوع وفي نزول وفي عمار وفي قضاضي "

 

أقرأ أيضا

عدد التعليقات 5

أترك لنا تعليق

يتم عرض التعليق بعد تفعيلة من المشرفين