في أحد الأيام والمقبرة تضج بالمشيعين لـ جنازة ما وقف صاحبنا على شفير قبرها بعدما أجمع يديه خلفه ظهره ، ينظر يمنة ويسرة لم يجلب طينًا ولم يضع حجرًا على حافة القبر بل حتى لم تقطر له دمعة ولم يتنحى على الأقل عن الطريق لـ يصل بسهولة من يرغب في المشاركة ؛ لسان حاله:
ها أنا هنا !
وفي يومٍ آخر هاهي الجموع تتوافد لـ حضور زواج لأحدهم، البسمة تحف أرجاء القاعة والوفود تزداد والهدايا والهبات تنهمر كـ المطر، وضعوا منصة في مقدمة المكان وزرعوا فيها (مايك) لـ أصاحب المشاركات الصوتية الجميلة !
قفز صاحبنا كـ الغزال من مقعده نحوها تعثّر في مشلحه لكن تفادى نفسه وأكمل مسيرته، ووقف كـ الهزبر خلف هذه المنصة بعد أن ضبّط هندامه بمساعدة من الكاميرا الأمامية فـ بقي في مكانه بعدما تيقّن أنه سيظهر في كل الفلاشات التي ترعد وتبرق 😊
لم يقدّم كلمة ولا قصيدة جزلة أيضًا بل حتى لا يجيد الترحيب المسجّع مثلهم لكن أراد أن يقول :
ها أنا هنا !
وفي يوم من أيام الله اجتمع الجمع وأعدوا العُدة لعقد المشورة وأخذ الرأي ؛ والعزم على الحل والربط لـ أمر هام وعام يخص المجتمع ..
كان صاحبنا متكئًا في أقصى المجلس يُومي بـ مسبحته المذهلة وواضعًا نظّارته على طرف أنفه يحدّق في جواله تارة ويختلس الحضور بنَظَارَاتٍ متفرّقة تارة أخرى حتى اكتمل العدد وبدأت المشورة !
عدّل من جلسته وأعاد نظارته وأرعى سمعه ؛ وتحدث عقيد الجلسة وأردف بعده اثنان بل ثلاثة اتضحت الفكرة للجميع وظهر الحل المناسب والرأي الحكيم الذي أجمعوا عليه بإيماءة ؛
بدأت الكلمات تتعارك في صدر صاحبنا ؛كيف يفوّت فرصة كـ هذه !
لم يتمالك نفسه وقاطع المتحدث الآخير :
وأعاد ما سمعوه مرة أخرى بعد إعادة في ترتيب الكلمات فقط !
هو يدرك تمامًا أنه لم يأتي بالجديد لكن لا يعلم طريقة أخرى لـ يُشعرهم بقوله :
ها أنا هنا !!

وهكذا .. المشهد نفسه يتكرر ويختلف بإختلاف الزمان والمكان وتتجلى صورة عشّاق تسجيل الحضور ولفت الانتباه !
تواجدهم دائم لكنه بارد وبيروقراطي ..
لا روح فيه ..
ولا فائدة أيضاً ..
تتضخم فيه ( الأنا ) وتتعاظم فيه اللامبالاة !
ولا غرابة فـ هذا الهوس كفيل بكل هذا وأكثر !
هؤلاء يشعرون وكأن الدنيا وقفت عليهم ولا يعلموا أنهم ممن لا يُفقد ..
بل هم أولئك القوم الذين يتساوى حضورهم مع الغياب في كثير من الأحيان !
حتى في قروبات الواتس آپ 😊 تجدهم لا يتحركون إلا في الأتراح وبعض الأفراح ؛ وحينما تجد أحدهم وتسأله : سلامات ما لك حِس ؟!
يقول : خلها على ربك أشغلتنا هالقروبات وكثرت علينا الإرتباطات !!
يُشعرك وكأنه المعني بتوقف مشاريع البلدية المتعثرة أو المسؤول عن حركة نقل المعلمات أو المتحدث الرسمي باسم وزارة المالية !

ولذا يا سادة :
إن لم تكونوا إضافة لمن حولكم إياكم أن تكونوا أعباء !
إن لم تحركوا المياة الراكدة في أوديتكم الاجتماعية فلا تعكروا صفوها !
لا تبحثوا عن أماكن الضوء بل كونوا من يسلّطه !
مهما كانت متعة لفت الانتباه وعذوبة موسيقى المديح ستظل هذه الصفة منفّرة ..
لا تكونوا أصنام وفي الوقت ذاته إياكم أن تكونوا مصدر إزعاج !
إنثروا بقول السعادة في حقول الناس وإياكم ونبتة القلق !
اخلعوا البُردة عن (أنا) وألحفوها (هم) !
إحرصوا أن يصل الخير للجميع وليس بالضرورة عن طريقكم (:

خارج النص:
"الرفيق اللي هقاويه في ربعه بعيد
يبشر ابهم فوق ظنه إليا حان وعده

من تهقوى في النشاما يحصّل ما يريد
ومن بنى سود النوايا يحصّل مقصده"
*
@s5005m

أقرأ أيضا

عدد التعليقات 3

أترك لنا تعليق

يتم عرض التعليق بعد تفعيلة من المشرفين